منتدى صقور الإمارات
بسم الله الرحمن الرح

عزيزي الزائر/ ة نتشرف بتسجيلك وإنضمامك لأسرتنا.
وإذا كنت مسجل/ة فتفضل بالدخول

و شكرا



 
الرئيسيةبحـثالأعضاءالتسجيلدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 سراج لا ينطفئ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كيــ ناروتو ــوبي
مدير عام
مدير عام
avatar

ذكر
الجنسية : إماراتي
عدد المساهمات : 1090
تاريخ التسجيل : 14/01/2009
الأوسمة :

مُساهمةموضوع: سراج لا ينطفئ   الأربعاء يناير 28, 2009 7:12 pm

تعلو الطائرة شيئا فشيئا في السماء تحلق بعيدا عن هذه المدينة الحديثة بكل تفاصيلها.
أسند عبد الله رأسه إلى الكرسي بعد أن ألقى النظرة الأخيرة على مدينته التي عاش فيها أكثر من اثنتي عشرة سنة.أخذ يحدث نفسه آه.. كم كانت سنوات طويلة قضيتها بعيدا عن بلدي و أهلي
و أقربائي ! كيف تغلبت على الشوق و الحنين اللذان يعششان في داخلي ؟ استغرق عبدالله في الذكريات و في الماضي البعيد وما هي إلا لحظات حتى ذهب في غفوة سريعة إلى عالم آخر رأى فيه نفسه يسرج مصباحاً بالزيت والمصباح لا يكاد يضيء،إذا رفع يده لم يكد يراها في هذا الظلام الحالك، زاد الزيت في المصباح ومع ذلك ظل نورهُ كما هو نورٌ خافت، وبعد لحظة من الحيرة أبدل الزيت بالدم وملأ السراج به،وكلما زاد الدم في السراج زاد النور حتى عم الكون نورٌ يذهب بالأبصار، فجأة استيقظ عبدالله من غفوته والعرق يتصبب من جبينه ،ودقات قلبه مسارعة فقال :
أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ،اللهم اجعل ما رأيت خيراً يا رب العالمين . ترجل عبدالله من السيارة التي أقلته من المطار أمام باب بيته،وقف قليلاً وأمعن النظر...... كل شيءٍ كما هو، الحي، الدكان ، المسجد ،الجيران، ظل يتأمل المكان وفي هذه اللحظة فتح باب البيت فرأى امرأة عجوزاً تطل من ورائه تقول:
تعال يا أبا عبد الله ألم أقل لكَ أن عبد الله يقف الآن أمام البيت!ألم أقل لكَ أن إحساس الأم لا يخطىء.. لم تكمل إنما انطلقت بخطوات متثاقلة بطيئة وهي تمد يديها إلى ولدها والدموع أخذت مجراها على هذا الوجه الذي ملئ بخطوط الزمن. لم يفكر عبدالله كثيراً بل تقدم بسرعة البرق،وضم والدته إلى صدره، نسي كل شيء،ولم يتذكر إلا حضن أمه! بكى بحرقة،وقبلها بين يديها وعينيها قائلاً:
سامحيني يا أمي...سامحيني . ومن مكان ليس ببعيد وقف شيخ جليل ذو لحية بيضاء يراقب المنظر بصمت، اغرورقت عيناه
بالدموع هو الآخر،و كادت رجلاه تعجز عن حمله، وما أن أبصره عبدالله حتى تقدم منه ببطء، وقف أمامه و رفع يدي والده قبلها وهو يبكي بكاء لم يعهده منذ زمن بعيد،أراد الكلام لكن لسانه عجز عن ذلك فلم يكن حاضراً في تلك الساعة إلا البكاء فقط . وبعد لحظات قطع هذا اللقاء صوت يقول: لماذا تبكي يا أبي؟ لماذا يبكي الجميع حتى أمي انضمت إليكم في البكاء. ابتسم عبدالله وأخذ يمسح دموعه بيدين مرتجفتين ، رفع ولده أحمد أمام والده قائلا: أبتي ،هذا هو حفيدك الصغير أحمد لقد سميته كما كنت تتمنى دائما .
ضم الشيخ أحمد بين يديه وهو لم يزل يغالب دموعه قائلا : أحمد كيف حالك أيها البطل ؟ قطع أحمد عليه قائلا:
أنت إذاً جدي! لقد كلمني عنك والدي كثيرا ولكن لماذا لحيتك طويلة و بيضاء كالثلج!؟
عبد الله: يكفي يا أحمد أهذا ما تريد أن تقول لجدك ؟
الشيخ و هو يضحك : دعه يا عبدالله فلطالما تمنيت أن أرى أحفادي وأستأنس بهم.
عبدالله: أمي...أبي وهذه هي زوجتي فاطمة، تقدمي لتسلمي على والديّ يا فاطمة.
كان الجميع سعيداً بهذا اللقاء. وفي المساء اجتمعت العائلة تتسامر وتتبادل الحديث، جلس عبدالله بجانب والده وهو يضع يده على يد والده قائلاً بصوت حنون:
لا أصدق أنني استطعت أن أبتعد عنكم طوال هذه المدة من الزمن لقد غادرتكم في الثامنة عشرة ،وأنا الآن في الثالثة والثلاثين.
الشيخ : نعم يا ولدي كنت في كل عام تقول أنك عائد و كنت تخلف في كل مرة . عبدالله: نعم يا أبتي إن من يذهب إلى هناك أقصد إلى أوروبا و يعيش فيها و ينعم بخيرها ينسى الدنيا
وما فيها.
الشيخ وهو يرمق ولده بنظرة عجيبة : أنت من يقول هذا يا عبدالله، لقد كان قلبك معلق بأرضك .
عبدالله :من يعيش هناك ويرى الرفاهية والمال والحرية ينسى كل شيء حتى نفسه،أه يا أبي ما أجمل العيش في نعيمٍ ...بعيداً عن القتل والدماء والمبادئ التي لا تجلب إلا الشقاء!
الشيخ وقد بدأ الغضب يتسلل إلى كلامه: إني أسمع كلاماً غريباًّ عليًّ.
عبدالله: أبي، آن الأوان لتستريح أنت ووالدتي، لقد عدت بمبلغ من المال يوفر لنا حياة كريمة، وبشهادات تجلب لنا الحظ وترفعنا إلى أعلى و.............
همّ الشيخ بالوقوف قائلاً: لقد تأّخّر الوقت ،هيا بنا يا أّمّ أحمد، فما زال أمامنا قيام الليل، ومن ثم صلاة الفجر، وليس لدينا وقت لسماع هذا الكلام.
عبدالله وقد استوقف والده في منتصف الغرفة: والله يا أبي ما عدت إلا من أجلكما،من أجل العمل على راحتكما ،والبحث عن سعادتكما.
التفت الشيخ إلى عبدالله قائلاً بصوت حازمٍ وبنظرة أدركها عبدالله جيداً: لقد غيّرتك الأيام كثيراً،فلتبحث عن راحتك وسعادتك، ونحن فلا حاجة لنا بمالك وشهاداتك.
ضرب الشيخ بعصاه الأرض بقوة وجرّ قدميه بغضب،تبعته أمّ عبدالله منصاعة لزوجها،وهنا جاء صوتٌ عذبٌ قطع على الشيخين مسيرهما.
أحمد: جدي ..جدتي أنا لم أجلس معكما بعد، لماذا تذهبان إلى النوم في هذا الوقت؟
تقدّم الشيخ من حفيده وأحنى ظهره ممسكاً بذقن أحمد الصغير: نعم يا صغيري نحن اعتدنا على النوم مبكراً لنستيقظ لصلاة القيام والفجر. ثم رفع الشيخ بصره إلى ولده عبدالله متابعاً: كذلك كان والدك يقوم الليل ،ومن ثم يصلي الفجر،
وبعدها يجلس في حلقات تحفيظ القرآن في المسجد.
أحمد: أحقاً كان أبي يحفظ القرآن!
الشيخ: بل إنّه حافظٌ لكتاب الله كلّه منذ كان في السادسة عشرة من عمره....وأنت يا أحمد كم تحفظ من كتاب الله ؟
أحمد: لا أحفظ إلا قصار السور فقط، هي التي أقرأها في الصّلاة. حاول عبدالله أن يتدارك هذا الموقف المحرج قائلاً: في تلك البلاد لا توجد حلقات تحفيظ للقرآن....وإذا وجدت تكون قليلة.
هزّ الشيخ رأسه وهو يغمض عينيه وتنهّد تنهيدةً طويلة ويقول : أحافظ لكتاب الله يحتاج إلى مَن يحفّظ ولده !.... لا حول ولا قوة إلا بالله.
تابع الشيخ طريقه إلى غرفته وهو يكرر لا حول ولا قوة إلا بالله, وخلفه أم عبدالله التي اعتصر قلبها حزناً بما تسمع.
نظر عبدالله إلى زوجته وولده، ثم تابع والداه ببصره وهما يغادران قائلاً: الأيام كفيلة بتغيير رأيه.
جلس الشيخ أمام داره يرمق حفيده من بعيد، لقد اندمج سريعاً مع أطفال الحي، وأصبح خلال الثلاثة أسابيع الماضية متعلقاً بجديّه،لا ينام إلا معهما ،يذهب إلى المسجد مع جده، ينتظم بحلقات تحفيظ القرآن ،ويذهب إلى المدرسة مع رفاقه .
قال الشيخ في نفسه: فلربما أبدلني الله بأحمد ...............
قطع تفكير الشّيخ صوت ولده عبدالله قائلاً له :
السلام عليك يا أبي، أريد أن أتكلم معك قليلاً في موضوع هام.
الشيخ: وعليك السلام يا ولدي، لم أرك اليوم في صلاة العصر. عبدالله:لقد كنت مشغولاً في بعض الأمور، وهذا ما أردت أن أحدثك بهِ، ولكن بوجود والدتي .
خطى الشيخ باتجاه الدار و أشار عبدالله إلى ولده أحمد أن يلحق بهم إلى هناك،وما أن اجتمع الجميع في باحة الدار حتى تقدم عبدالله من والديه موجهاً حديثه إلى والده خاصة:
لقد علمتَ يا والدي أن الله رزقني وظيفة مرموقة في شركة خاصة وذات دخل لم أكن لأحلم بهِ.
رمق الشيخ ولده بنظرة مباشرة كانت سبباً في تلعثم عبدالله الذي تابع قائلاً:أبي آن الأوان لنترك هذا الحي الفقير وهذه البيئة الـ... الرجعية .... لقد اشتريت منزلاً حديثاً في الحي الراقي القريب من هنا.... أنت تعرفه جيداً يا والدي...منزل يتسع لنا جميعاً.
الشيخ: سأوفر عليك الحديث اذهب أنت إلى بيتك الحديث في حيّك الراقي، ودعنا هنا أنا ووالدتك في حيّنا الفقير.
عبدالله: ما سرّ تمسكك بهذا الكوخ؟أنت لم تعد تستطيع أن تجرّ خطاك إلا بالعكاز.
الشيخ وقد بدأ الغضب يتسلّل إلى كلامه: قلت لكَ :اذهب لوحدك ودعنا وشأننا.
جثم عبدالله على ركبتيه متوسلا: أُقسم بالله يا أبي أن كل هذا من أجلكما!. نهض الشيخ من مكانه قائلاً بغضب: لا تقل من أجلنا...هل من أجلنا أصبحتَ تعمل في شركة يهودية؟أمِن أجلنا صرت خادماً لمن سلب أرضك وقتل أهلك ودنّس مقدساتك؟ أم أنّ هذا كله من أجل المال؟
عبدالله وقد بدأ صوته يرتفع: لماذا تفكر بهذه الطريقة ؟...أنا أعمل بمجهودي ،ولا آخذ المال صدقة، هذا مجال تخصصي وشهاداتي وكذلك....... الشيخ وقد تملك منه الغضب وأطلق لصوته العنان: أتقتات على دماء وأشلاء شعبك.
ارتفع صوت عبدالله وقد تناسى أنه يكلم والده : أمازلت تفكر بهذه الطريقة المتخلفة،أنا ليس لي شأن
بما يحدث، هل علي أن أتحمل أخطاء الآخرين؟!.
الشيخ وقد انقلبت عيناه جمراً من الغضب: اسكت لا أريد أن أسمع صوتك، ولا أريد أن أراك أيضاً.
وهنا استدار الشيخ محاولاً إخفاء الدّمع المنحدر من عينيه حسرة وهو يتابع: اذهب ولا ترجع مرة أخرى، فولدي قد مات منذ أن باع أرضه ودينه...نعم فولدي قد مات!
تغيّر وجه عبدالله وتيبّست الدماء في عروقه، وتملّك منه الشيطان قائلاً بنبرة تّحدي:
حسناَ كما تريد سأغادر ولن أعود.....فاطمة، أحمد ،هيا...... هيا بنا من هنا.
همّ عبدالله يريد أن يمسك بيد ولده ،لكنَّ أحمد ركض إلى جدته ممسكاً بثوبها مستغيثاً: جدتي لا أريد أن أذهب معه،لا..لاأريد.
صرخ عبدالله بغضب قائلاً وهو يجرّ ولده بقوة : قلت لكَ هيّا لا نريد أن نبقى هنا .
أخذ عبدالله يشد يد ولده بقوّة، وأحمد يصرخ رافضاً الذهاب،و الجدة ممسكةً بيد أحمد الأخرى محاولة منع والده من أخذه قائلة: أرجوك يا عبدالله اتركه اليوم من أجلي أنا.
عبدالله صارخاً بوجه والدته: قلت لكِ دعيه ،أأتركه لكما لتفسدانه علي، دعيه هيا..اتركيه.

_________________________ التوقيع _________________________






[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://uarefalcon.yoo7.com
كيــ ناروتو ــوبي
مدير عام
مدير عام
avatar

ذكر
الجنسية : إماراتي
عدد المساهمات : 1090
تاريخ التسجيل : 14/01/2009
الأوسمة :

مُساهمةموضوع: تابع سراج لا ينطفئ   الأربعاء يناير 28, 2009 7:16 pm

هنا تسمرت قدما الجدة في مكانهما، وانعقد لسانها، فهي لم تعهد على ولدها أبداً يصرخ في وجهها،تابعته وهو يخرج ساحباً ولده معه دون رحمة، وصارخاً في وجه زوجته التي وقفت مذهولة مما يحدث آمراً إياها أن تتبعه.
كلّمت الجدّة نفسها قائلة: ربما قد صدق أبو عبدالله يبدو أنّ ولدي حقاً قد مات!. مرّت الأيام سريعة، زادت فيها الفجوة بين عبدالله و والديه كما زاد فيها تعلق أحمد بجديه وبأرضه،
و بأبناء الحي القديم تعلقاً شديداً. وكان أهمّ حدثِ غيّر مجرى الحياة الفلسطينية في تلك الأيام هو اندلاع الانتفاضة المباركة، والتي فيها ارتوت الأرض بدماء الشهداء، وانتشر عبق مسك الجنة في الأجواء، و توحدت فيها القلوب ،وشدّ
المصاب على الأيدي فإما النّصر والتحرير ،أو الشهادة في سبيل الله دفاعا عن الدّين والأهل والوطن وفي يوم شابه القليل من الهدوء الحذر من أيام الانتفاضة، جلس عبدالله في فناء بيته الفخم يحتسي الشاي مع زوجته، ويقلِّب في أوراق عمله،فجأة دخل عليهما أحمد مسرعاً بعد أن أغلق باب البيت بكلّ قوّة ،ومتوجهاً إلى غرفته. استوقفه عبدالله ، ولكن أحمد لم يرد وتابع طريقه ، وصرخ عبدالله قائلاً: أحمد إني آمرك أن تتوقف.
تقدّم عبدالله ممسكا بكتفه أحمد الذي توقف في مكانه وهو يبكي قائلا له بحزم: منذ متى تعلمت أن لا ترد على والدك؟ وما الذي يبكيك بهذا الشكل؟
حاول أحمد التخلّص من قبضة والده قائلاً: ما معنى كلمة عميل يا والدي، أحقاً ما يقوله عنك الأولاد أنّك عميلٌ عند اليهود! وأن بيتنا وطعامنا كلّه حرام! عبدالله وقدا ستشاط غضبا مما يسمع:
من أين جئت بهذا الكلام الكذب والهراء؟.
أحمد: إذاً لماذا تعمل عند اليهود.....لماذا تخدمهم؟
عبدالله وهو يهز كتف ولده بقوة وغضب: اسمع هذا عملي وهؤلاء الناس يحسدوننا.
أحمد : أجدّي وجدّتي يحسدوننا أيضاً!؟ ولهذا تمنعني من الذهاب إليهم.
نزل الكلام على عبدالله كالصّاعقة ...ارتبك...حاول السيطرة على أعصابه قائلاً: اسمع يا أحمد يا حبيبي إنّ بينَنا وبين اليهود سلامٌ منذ عدة سنوات ،وقريباً سينتهي ما بيننا وبينهم من
صراع، وسنعيش مع بعضنا في سلام.
أحمد: نعم يا أبي السلام الذي قتل بالأمس محمد الدرة في حضن والده وأمام الكاميرات!
هاجَ عبدالله وصرخ بصوتٍ سُمع صداه في أرجاء المنزل قائلاً: اخرس....منذ اليوم لن تخرج من البيت ولن ترى أولئك الصبية الذين أفسدوا أخلاقك في ذلك الحي البائس.
ركض أحمد إلى غرفته وقد ازداد بكاء، تابع عبدالله ولده بنظراتٍ غاضبة،وهنا وقفت فاطمة قائلة :
عبدالله آن لي أن أتكلم ، لماذا تغيّرت كثيراً؟لماذا أصبح لا يهمّك إلا نفسك؟ أنا أيضاً أريدك أن تترك هذا العمل الذي بسببه هجرَنا الجميع حتى أقرب الناس إلينا...
قطعَ عبدالله حديث زوجته قائلاً: أنتِ من كان ينقصني،منذ الآن لك حرية الاختيار في ......
أدار عبدالله ظهره إلى فاطمة فهو ليس بحاجة إلى إكمال كلامه الذي فهمته فاطمة جيداً. تابع طريقه إلى غرفته ،وهناك ألقى بجسده على سريره ،شعر بالإنهاك الشديد والتعب مما حدث قبل قليل،وما هي إلا لحظات حتى غاب فيها عن هذا العالمَ ،هاهو ذا يرى نفسه من جديدٍ ممسكاً بسراجٍ يملؤه دمٌ وكلما زادَ الدّم في السراج زاد معه النّور المنبعث من السّراج.انتفض عبدالله من نومه كما ينتفض العصفور في الماء قام فزعاً على أصوات حجارة تصطدم بشبّاك غرفته!استعاذ بالله من الشيطان الرجيم وهو يتوجه مسرعاً إلى الشبّاك ليستطلع الأمر،وهناك كان المنظر المعتاد: الرجال والنساء في مقدمتهم الشباب والأطفال يرمون الحجارة على الدبابات الإسرائيلية وعلى الجنود الصهاينة! فكان بعض من هذه الحجارة يأتي بالخطأ على نوافذ البيت ،أشار عبدالله بيده من النافذة على أطفال الحجارة قائلاً: ماذا تفعلون أيها الأشقياء؟....اذهبوا من..... تيبّست الكلمات في فم عبدالله ولم تجرؤ على الخروج عندما وقع بصره على ولده أحمد وسط الأطفال الذين يرمون اليهود بالحجارة!صاح بأعلى صوته من هول المفاجأة:
أحمد..أحمد ... عُد يا أحمد...لا تذهب معهم عُد إلى هنا. ما أن سمع أحمد صوت والده ورآه من نافذة المنزل حتى فرّ هارباً مع جموع المتظاهرين ،ومتابعاً جهاده
بالحجارة التي في يديه.
فجأة دوى انفجار كبير ارتجّت له الأرض وصمّت له الآذان، فقد أطلق الصهاينة قذيفة مدفعية باتجاه المتظاهرين رداً على الحجارة.
صاح عبدالله: كلا ...كلا ... توقفوا ... إنّ ولدي هناك.
لم يشعر عبدالله بقدميه اللتين غطّتهما الدماء من الحجارة التي ملأت الشوارع، وهو يطوي الأرض طياً كالمجنون! كان همه الاطمئنان على فلذة كبده. شق الجموع التي تجمّعت تساعد الجرحى وتحمل الشهداء، الأشلاء والدماء في كل مكان، تقدم عبدالله يصطدم مرة بهذا ومرة بذاك، يدفع من يوقِفه ، يصرخ في وجههم :
أحمد... أحمد... هل رأى أحدكم ولدي؟ ..هل رأيتم أحمد...؟
فجأة نزلت عليه صاعقة أوقفت تقدمه ولجمت لسانه وشلت قدماه،إنه أحمد!...نعم، إنه هو متوسداً الأرض، وملتحفاً الدماء! تقدم عبدالله ببطئ وسقط على ركبتيه، وارتجفت أركانه، حمل ولده بهدوء و حنان بين ذراعيه، همس قائلاً:
أحمد ...ولدي....حبيبي....ردّ على يا أحمد....ألا تسمعني؟ أنا والدك، أحمد...أحمد...
وهنا دوّت صرخة من عبدالله هزّت الأرجاء، وردّدت صداها الدنيا، إنها صرخة الوداع! بدأت الأصوات تخفت وأصوات الأقدام تتلاشى ,أما عبدالله الذي تحجّرت الدموع في عينيه فقد وقف وبصره على القبر الذي وارى ولده شارداً بتفكيره في الماضي القريب والمستقبل المجهول . وهنا امتدت يدٌ ربتت على كتفه،يدٌ حنونة ، وصوت دافئ يقول: اصبر يا بني واحتسب الأجر عند الله،فأحمد مضى في ركاب الشهداء! أغمض عبدالله عينيه ثم استدار إلى حضن والده ،وهنا أعلن لعينيه الاستسلام،وأطلق لدموعه العنان.
من جديد يرى عبدالله نفسه يملأ سراجاً بالدّم، وكلما زاد الدّم في السّراج زاد معه النور والضياء،ولكن في هذه المرة كان الضياء أشدّ وأقوى ،ومع هذا النور تراءى له من بعيد شيئاً أخذت ملامحه تتضح مع ازدياد ضوء السراج....والآن لقد أصبح ما يراه واضحاً كوضوح الشمس إنه....إنه المسجد الأقصى.
فتح عبدالله عينيه ولكن في هذه المرة كانت نفسه ساكنة وقلبه مطمئن، ابتسم ابتسامة دافئة فقد أصبح يدرك جيداً تفسير رؤياه ،ثم قال في نفسه لقد آن الأوان .نهض من سريره بسرعة توضأ ثم صلى ركعتين لله أطال فيها بالدعاء، توجه إلى خزانته وارتدى لباساً خاصاً، وحمل رشّاشه،وقبل أن يخرج وضع على وسادته رسالة مغلقة، وبعدها ألقى نظرة أخيرة على زوجته.خرج من الدّار،استدار مواجهاً لدار والده، سالت دمعة يتيمة من عينه، مسحها سريعاً، ودّع داره، والحيّ الذي كان مرتع شبابه، والمسجد الذي احتضنه.....وأخيراً ودّع والديه.
في الفجر أحسّ الجميع بنسائم الرّحمة تهبّ من كلّ اتجاه، وما أن انتهى الإمام من صلاة الفجر حتى تقدّم البشير من الشيخ أبوعبدالله يزفّ إليه نبأ استشهاد ولده مع اثنين من زملائه في معركة بطولية طارت لها ألباب اليهود، وطاشت بعقولهم! حيث قام المجاهدون قُبيل الفجر باقتحام قاعدة عسكرية، استطاع فيها الأبطال إيقاع العشرات من القتلى والجرحى قبل أن يسلموا أرواحهم إلى بارئها، ويرتقوا صعودا شهداء إلى السماء.
خرّ الشيخ أبو عبدالله ساجداً لله سجود حمدٍ وشكر ،سالت منه دموع الفرح على هذه النعمة العظيمة ،ودموع الحزن على الفراق المفاجئ.
ملأ المهنّئين كعادتهم في مثل هذه المواقف المسجد، الطرقات وحتى البيت،الذي ارتفعت فيه أصوات الزغاريد والتّهاني ،وما أن دلف أبوعبدالله إلى صحن الدار ،حتى تناهى إلى مرآه أمّ عبد الله وزوجة ولده فاطمة تتوسطان نساء الحي اللاتي قدمن لتقديم التهاني، والتذكير باحتساب المصاب عند الله عز وجل. تقدم أبوعبدالله ببطء، فلم تتمالك نفسه رؤية دموع زوجته و زوجة ابنه،وما أن وصل إليهما حتى امتدت يد فاطمة بالرسالة التي تركها عبدالله على فراشه قبل أن يغادر،ارتجفت يد أبوعبدالله وهي تمتد لأخذ الرسالة ، جلس على كرسيه الخشبي فلم تعد قدماه قادرتان على حمله، فتح الرسالة التي انبعثت منها رائحة ولده!أنصت الجميع بقلوبهم،وأخذ أبوعبدالله يقرأ الرسالة ودموعه تسابق الكلمات قائلاً:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى:( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّة )
وقال أيضاً:( من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا)
صدق الله العظيم
أبي الحبيب .....أمي الحبيبة.....زوجتي الوفية:
أرجو من الله أن لا تقع وصيّتي بين أيديكم إلا وقد أنجزتُ وعدي لله....وأنجزَ الله سبحانه وعده لي بالشهادة.
أحبتي..... بدأت وصيتي بآيات من كتاب الله لتكون لكم خير عزاء وكفى بها عزاء.
وصيتي أولاً :إلى والديّ العزيزين: أرجو منكما الدعاء بأن يتقبلني الله عنده مع الشهداء، أبي أرفع رأسك عاليا، أمي أرجوك لا تبكي، والدي سامحاني على تقصيري معكما وعدم القيام بحقكما، ولكن عزائي أن يكون استشهادي تاجاً على
رؤوسكما في الدنيا والآخرة ،فجزاكما الله عني كل خير، وأرجو من الله أن يجمعني بكما في جنّات النعيم.
ثانياً :زوجتي الحبيبة: اصبري، واحتسبي الأجر عند الله، فأنا أعلم أن رحيلي يأتي بعد رحيل أحمد بشهرين فقط! زوجتي.... اشتقت لأحمد! فعقدت العزم على شدّ الرّحال إليه في جوار الرحمن! وصيتي لكِ:أن
تحسني تربية طفلي الذي في أحشائك، و تربيه على متابعة المسير حتى التحرير، وأرجو من الله أن يجمعنا جميعاً في مستقر رحمته، إنّه على ذلك قدير.
وأخيراً: إلى شعبنا الفلسطيني، وخاصة الشباب المجاهدين أقول لهم:
إنّ أقصانا الحزين، ومسرى رسولنا الكريم قد ملاّ الانتظار، وتعبا من طول الحصار، ولا عذر لكم عند الله ما بقى فيكم عينٌ تطرف ،أو عرقٌ ينبض، إن لم تعملوا على تحريره بدمائكم، وكسر قيده بأرواحكم. فقد آن الأوان لنركب شعاع الحق، ولنضيء سراج الأقصى بدمائنا واعلموا أن :

((السّراج الذي يوقد بالدّم لا ينطفئ))

_________________________ التوقيع _________________________






[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://uarefalcon.yoo7.com
Al maha
صقر نشيط
صقر  نشيط


عدد المساهمات : 54
تاريخ التسجيل : 20/02/2009

مُساهمةموضوع: رد: سراج لا ينطفئ   السبت فبراير 21, 2009 11:51 pm

قصة مؤثرة و شكرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ocean star
صقر جديد
صقر جديد


عدد المساهمات : 46
تاريخ التسجيل : 29/05/2009

مُساهمةموضوع: رد: سراج لا ينطفئ   السبت نوفمبر 21, 2009 5:29 pm

شكرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
سراج لا ينطفئ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى صقور الإمارات :: ¤©§][ القسم الادبي ][§©¤ :: منتدى القصص والروايات-
انتقل الى:  
لأجل الأقصى